ومضات مقارنة من ذاكرتي ... وحالنا اليوم ..

    تم تقيم الموضوع من قبل 3 قراء


26/7/2013 2:29 مساءَ

اعود لذكريات السجون والمعتقلات ، ليس ادعاء لبطولات كاذبة ، ولا تذكيراً بتضحيات لم تبذل منها الا قليلا ، اذ لم يكن نصيبنا منها طيلة سنوات مضت ، ليس استعراضاً لاحداث تأريخ نضال مضى عليه الزمان وعفى ، ولا اثباتاً لحقيقة ان ما سبق عهد لم يكن كله خيراً وعسلا وسمناً، كما يريد البعض ان يصور الأمر ويرى ، ولا تجريحاً وتذكيراً بالبعض الذي كان لنا بالامس سجاناً ، فأصبح اليوم للحريات حامياً ، وللديمقراطية داعياً، وانما قصدنا ان نروَح على القارىء (المتلقي)ونخفف عنه العناء ، فقد ظل الناس يقراون لنا ولغيرنا ما يشبه الغثاء .

ما اسرع مرور الايام والاحداث حيث لا نصدق ان هذه المرحلة او تلك قد مرت بظروفها وانتهت حيث كنا نتصور بأنها باقية الى ما لا نهاية ، انها رحلة استغرقت اعواما طويلة من عمري .. نعم انها مضت ، وكأنها لم تستغرق الا اياما تعد على اصابع اليد الواحدة .

ما اعجب تصور الانسان للزمن !!

ان احداث الحياة لديه مهما طالت  لا تصور في ذهنه سوى بداية ونهاية ، ومن ثم يضيع من ذهنه ذلك الخيط الطويل الواصل بينهما ..

اتذكر متعجبا كيف انتهت تلك الرحلة التي قطعتها عبر الحياة ؟!

اني لا اتذكر  الآن حينما اقارن ما بين الماضي والحاضر  إلا ما اوجعني وشردني من ملاحقات لرجال اقل ما اصفهم "بالرخص" ، مجردين عن ادنى قيم الانسانية والاخلاقية .. لقد مضى زمن بعيد ولكني لا ازال اتذكره وكأنه الامس .. يوم تم اطلاق سراحي من احدى اوكار النظام الصدامي ((مديرية امن بغداد))  في بداية ثمانينات القرن الماضي حيث كانت عائلتي تترقب ذلك الافراج بفارغ الصبر  وكان رقم اعتقالي الثاني في وقتها ...

"انطلقت حينها  "الهلاهل" من الحناجر السعيدة تعلن البشرى الى كل مكان وعندما جاء المساء كان البيت يضيق بالمدعوين الى وليمة موعودة ،ولا زالت التعليقات يتردد صداها في اذنيَ منها :  ربي يطوَل بعمرك ياجمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال ، ويسجنوك يوميه ... عندها رد والدي رحمه الله ورحم والديكم جميعا ضاحكا :  حرام عليك ياأخي خاف الله .. يعني انت تتمنى ان يُسجن جمــــــــــــال كل يوم ويطلق سراحه من اجل بطنك ؟! مو انت حبَيب طول الله بعمرك ؟! وفي وقتها علت الضحكات  داخل صالة الضيوف" ...

واني لا ازال اتذكر بوضوح وانا في طريقي كيف كانت التهاني والتبريكات والدعوات تنهال عليه من قبل كل اهل منطقتي ، وقليل من لا اعرفه معرفة وثيقة ، فقد كان المنطقة  في ذلك الزمن اسرة مترابطة ، يفرح ناسها ، ويحزنون وكأنهم مرتبطون بروابط القربى والنسب ، وقبل ان يصبحوا مجموعة من الغرباء ، لا يجمعهم سوى المكان (المنطقة) الذي يقيمون فيه ...

كنت احمل هذه الدعوات والامنيات قريرا سعيدا ، فما اسعد الانسان عندما يشعر بالانتماء الى مجتمع يتعاطف معه ويشاركه احاسيسه .

فلو اخذنا معياراً لقياس ((ضغط البلد)) لوجدناه الآن عند حدود الانفجار ، واذا كان ضغط الدورة الدموية الذي ابتلي به اغلب العراقيون يوصف لدى اغلب الاطباء بأنه (القاتل الصامت) فأن ضغط البلد يوصف على كل لسان  غير مقطوع بعد ، بأنه قاتل فصيح .. من ضربات الارهاب .. الى انهيار البنية التحتية .. الى الفساد الناخر .. الى انهيار الاقتصاد .. الى البطالة وما ادراك ما البطالة .. الى هجرة معظم العقول والكفاءات .. الى تدني مستوى التربية والتعليم .. الى اهتراء السلطة السياسية وعجزها الى التصنت .. الى غياب واضح للقانون .. الى شخصنة المؤسسات ووهن السلطتين التشريعية والقضائية .. الى تكلس الاحزاب المشاركة بقيادة البلد واحتضار الاحساس العام ومزراب الهدر والسرقات ... اردت بتلك العناوين بسطها بأسهاب الحال الذي نعيشه وفي اوضاعنا المضطربة ... لان العراق يعاد تاسيسه الآن على رمال متحركة لا على صخر واساسات متينة .. وايا تكن التدابير فأنها لم تنفع ما لم ترفق بسياسة اعادة تكوين المشتركات الجامعة ، ويوم ينهار البناء المتأرجح الضعيف  لا سامح الله ... فستكون السيوف الذابحة والخناجر والاسلحة بمختلفها اسلحة للطوائف والفئات الهائجة الفالتة في شوارع البلد ..

الآن اعود لما بدأت به لاقارن ما بين حال الامس واليوم ، حيث فقدان ذلك الترابط الوطني والمذهبي والمناطقي وحتى الاسري الذي نشهده ، نساير ونلمس ذلك غير مصدقين أنحن في يقظة أم منام ؟.. لاسيما ونحن نمر  في ايام رمضانية ايمانية تعتبر من احب الايام الى الخالق جل في علاه ، حيث تهب رياح السياسة على نيران الاعراض الكامنة في القلوب ليندلع لهيبها فترمي بشررها الفتاك وسعيرها المحرق ، فلا نسمع الا صراخ الابرياء وعويل النعاة ..

اخيرا اقول لا حياة الا بالسعي .. ولا سعي الا بالعمل .. ولا عمل الا بالاقتصاد .. ولا اقتصاد الا  بالتفكير .. ولا تفكير الا بالعلم .. ولا علم الا بالاتحاد .. ولا اتحاد الا بالمال .. ولا مال الا بالتوفير والتخطيط .. ولا توفير وتخطيط الا الابتعاد عن الفساد .. ولا فساد الا بالاتحاد والنزاهة الذاتية .. ولا نزاهة ذاتية الا بتنظيف النوايا من اجل العراق والشعب .. ولاتنظيف للنوايا الا بصدق الاعمال ونقائها وتوفيرها لاجل مصلحة البلد .. ولا توفير الا بالاعراض عن سفاسف الاشياء .. التي لا فائدة تذكر من اتمامها ولا مضرة تلحق من جراء تركها .. ولربما كان الضرر لمن صرف المهجة فيها اقرب من حبل الوريد ... اقول للجميع .. أياكم والخمول ، واياكم والتبذير ، واياكم والزهد في لذائذ الحياة التي يتمتع بها الساعون ... اخيرا .. دعائنا هو  .. ( اللهم اجعلنا مهتدين هادين .. غير ضالين ولا مضلين ) ...

   



تعليقات القراء



تفضلوا بزيارة صفحتنا على الكوكل Google+‬‏

الثقافية


حقوق النشر محفوظة Copyright (c) 2011, anbaaiq.net, All Rights Reserved